ابحث في منصة شمر الإعلامية

ابحث عن الأخبار والمقالات والتقارير

Ctrl + K للبحث السريع ESC للإغلاق

البيضاء الحارس غير المعترف به

دائماً ما تحضر البيضاء في المشهد اليمني كقوة فاعلة لكنها تظل المحافظة الأكثر عرضة لـسوء القراءة إذ تختزل صورتها غالباً في نمط المحافظة المقاتلة أو البيئة القبلية الصرفة
البيضاء الحارس غير المعترف به
​دائماً ما تحضر البيضاء في المشهد اليمني كقوة فاعلة لكنها تظل المحافظة الأكثر عرضة لـسوء القراءة إذ تختزل صورتها غالباً في نمط المحافظة المقاتلة أو البيئة القبلية الصرفة، غير أن الحقيقة تكمن في مكان أعمق من ذلك بكثير فالبيضاء تعيش تعقيد نفسي واجتماعي فريد حيث لا تقوم سيكلوجية ابنائها على الضجيج او الخطاب العالي بل على صبر طويل واستعداد فطري للدفاع حين تنتهك الحدود وتكسر الأعراف.
​هذا الصبر ليس وليد المصادفة بل هو نتاج مفارقة الجغرافيا، فبالرغم من وقوع البيضاء في قلب الخارطة اليمنية إلا أنها ظلت تاريخياً على هامش القرار السياسي هذا الموقع بوصفه كان منطقة تماس دائمة جعل منها ساحة عبور للصراعات بين الشمال والجنوب ولا تُستدعى إلى الواجهة إلا حين تقرع طبول الحرب ومن هنا ولدت شخصية "الحارس غير المعترف به" ذلك الإنسان الحذر الصامت الذي لا يمنح ثقته سريعاً لكنه لا ينسحب أبداً حين يفرض عليه القتال. البيضاء المحافظة الوسطى التي حكم عليها جغرافياً بأن تلمس الجميع لكن قدراً سياسياً جعلها تعيش حياة الأطراف المهملة فلا أحد يلمس جرحها أو يلتفت لأنينها.
​وفي ظل هذا الفراغ السياسي لم تكن القبيلة في البيضاء مشروعاً للسلطة أو أداة للهيمنة كما هي قبائل الهضبة بل تحولت إلى إطار حماية اجتماعي فهي قبيلة لا تقوم على الطاعة العمياء بل على الندية المطلقة واحترام العرف بوصفه صنو الكرامة ولعل هذا ما يفسر لماذا لم تنتج البيضاء زعامات قبلية مهيمنة أو نخب تتاجر بالهوية فالإنسان هنا يعتز بذاته لا بتبعيتة.
​لكن هذا الاعتزاز واجه اختبار قاسي بعد قيام الوحدة حيث دخلت المحافظة مرحلة من التهميش الهادئ ولم تكن هناك استثمارات ولا تمثيل حقيقي ولا اعتراف فعلي بدورها المحوري كان هذا التهميش الصامت اخطر بكثير من القمع المباشر لأنه راكم مرارة عميقة في نفوس ابناء البيضاء دون أن يولد ثورة صاخبة فتعلموا درس قاسي وهو ألا ينتظروا الدولة وألا يراهنوا عليها بل وألا يندفعوا للدفاع عنها حين تغيب هي عنهم.
​تجلت هذه الفلسفة او هذا المزاج بوضوح مع تمدد المشروع الحوثي فلم تكن البيضاء يوماً حاضنة له لكنها في المقابل لم ترفع شعارات رنانة ضده كان رفضها هادئ وعميق ومبديا رفضا للهوية المفروضة قسراً وللإمامة التي اعتبروها عودة لوصاية بائدة، وحين فرض القتال خاضته البيضاء بعناد شرس لكنها وجدت نفسها تقاتل وحدها دون غطاء سياسي او رعاية إعلامية من التحالف أو الشرعية مما عمق القناعة القديمة بأنها مجرد ورقة تستخدم ثم تترك لمواجهة مصيرها.
​إن اخطر ما واجهه ابناء البيضاء لم يكن ويلات الحرب بل مرارة الخذلان خذلان الدولة والتحالف والأحزاب على حد سواء، هذا الخذلان المستمر صاغ نمط نفسي يتسم بالريبة من الجميع فلا وعود تصدق ولا ثقة تمنح بالمجان ولا اصطفاف طويل الأمد مع قوى اثبتت الأيام انها تخذل البيضاء عند كل منعطف.
​ومع كل هذا الوجع تظل البيضاء محافظة منفتحة وطنياً قابلة للاندماج في اي مشروع جامع يشترط الكرامة أولاً هي ترفض الإلحاق والوصاية ولهذا بقيت في "المنتصف الصلب" خارج مشاريع التقسيم وخارج اوهام السلالة تدفع الثمن الأعلى بصمت وكبرياء.
​اليوم تبدو البيضاء مثل ذلك الحارس الذي نُسي في موقعه يمنح الجميع حق المرور بينما لا يمنحه احد حق الاستقرار، إنها لا تطلب المستحيل بل تطلب وطن يعترف بتضحياتها ويُمكن أبناءها إدارياً وأمنياً ويكسر تلك الصورة النمطية التي حصرتها كـ ساحة بلا صوت.
​خلاصة القولةإن أي مشروع وطني يحاول التغلب على تعقيدات المشهد اليمني مع تجاوز البيضاء إنما يتجاوز في الحقيقة احد آخر معاقل التوازن والصلابة في جسد اليمن.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!